جلال الدين السيوطي
12
معترك الاقران في اعجاز القرآن
من فرسانهم لعمرك إن دار كريم أبناء الدنيا تتحمل من تطفّل عليه فكيف بأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ؟ وإن كانت بعض الأوجه لا تعد من إعجازه فإنما ذكرتها للاطلاع على بعض معانيه ؛ فيثلج « 1 » له صدرك ، وتبتهج نفسك . فإن وجدت له حلاوة فلا تنس أخاك الغريق بدعوة أن يتفضل عليه سبحانه في دار كرامته بخلق سمع وقوة حتى يدرك به كلامه القديم ، فإنه منعه في هذه الحياة الدنيوية لذيذ المناجاة له بسبب ذنوبه ؛ مصداقه قوله تعالى « 2 » : « سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ » . وانظر إلى ما صح عن كليمه موسى عليه السلام أنه كان يسد أذنيه لئلا يسمع كلام الخلق ؛ إذ صار عنده كأشد ما يكون من أصوات البهائم المنكرة ، حتى لم يكن يستطيع سماعه بحدثان « 3 » ما ذاق من اللذات التي لا يحاط بها ولا تكيّف عند سماع كلام من ليس كمثله شئ جل وعلا . ولولا أنه سبحانه يغيّبه عما ذاق عند مناجاته مما لا يقدر على وصفه لما أمكن أن يأنس إلى شئ من المخلوقات أبدا ، ولما انتفع به أحد ، فسبحانه من لطيف ، ما أوسع كرمه وأعظم جلاله ! ومن أعجب الأمر في هذا عدم ذوبان اللذات وتلاشيها حتى تصير عدما محضا عند اطلاعها من ذي الجلال عما اطلعت عليه ، لولا أنه أثبتها وأمسكها ، يشهد لهذا ما صح عن ابن الأسمر - وكان من الأبدال « 4 » - أنه رأى مرة في نومه حوراء كلمته فبقى نحو شهرين أو ثلاثة لا يستطيع أن يسمع كلاما إلا تقيأه .
--> ( 1 ) الفعل كنصر وفرح . ( 2 ) الأعراف : 146 . ( 3 ) حدثان الأمر - بالكسر : أوله ( القاموس ) . ( 4 ) في القاموس : الأبدال قوم بهم يقيم اللّه عز وجل الأرض ، لا يموت أحدهم إلا قام مقامه آخر من سائر الناس ( بدل ) .